تأتي اللحظات الفارقة في تاريخ الشرق الأوسط لتكشف الحقيقة التي طالما حاول التجميل السياسي التغطية عليها ليس ثمة صراع إقليمي ينفصل عن القضية الفلسطينية، وليس هناك نزاع دولي في المنطقة إلا وتكون فلسطين جوهره والمُحرك الفعلي لتروسه. ما يشهده الإقليم اليوم بين واشنطن وطهران ليس مجرد إدارة لملف نووي أو مناورة عابرة على خطوط الملاحة في المضائق الحيوية، بل هو إعادة هيكلة شاملة للتوازنات، تقف فيها إسرائيل كـ "رأس حربة" للتصور الأمريكي، بينما تُشكل الساحة الفلسطينية حجر الزاوية في معادلة الردع الإيرانية.
على مدى العقود الماضية، أدارت واشنطن وطهران علاقتهما وفق قواعد إستراتيجية صارمة من "اللاسلم واللاحرب"؛ ضغط أمريكي أقصى وعقوبات اقتصادية لحشر الخصم في الزاوية، تقابله سياسة إيرانية قائمة على "الصبر الإستراتيجي" والنَفَس الطويل لتثبيت الواقع الميداني. غير أن المشهد الراهن يُظهر أن هذه اللعبة تجاوزت حدود المناورة الدبلوماسية خلف الأبواب المغلقة، لتتحول الشواطئ والممرات المائية إلى ساحات اختبار للردع المتبادل، حيث يُلخص السعي لإعادة فرض الشروط حدودَ القدرة والمغامرة لكلا الطرفين.
في هذه المعادلة، لا تلعب إسرائيل دور المتفرج أو الحليف الهامشي؛ بل هي المحرّك الأساسي للضغط نحو الخيارات الخشنة. ترى تل أبيب في المشروع الإقليمي الإيراني تهديداً وجودياً لترتيباتها الأمنية، ومن ثمّ تسعى جاهدة لترجمة أي تقاطع مصالح مع واشنطن إلى مواجهة تهدف إلى تقويض بنية الردع لدى خصومها. لقد انتقلت العلاقة من مرحلة التدافع السياسي إلى مرحلة التنسيق الميداني المباشر، حيث يُمثل الضغط العسكري والأمني أداة تفاوض رئيسية لإرغام طهران على القبول بهندسة إقليمية جديدة.
هنا تحديداً تتجلى خطورة اللعبة وحقيقتها؛ فمن الجانب الأمريكي-الإسرائيلي، يستهدف الضغط على طهران حرمان المقاومة الفلسطينية من ظهيرها الإقليمي، وإضعاف جبهات الردع المتعددة لتسهيل فرض واقع سياسي وأمني جديد في الأراضي المحتلة يُنهي تطلعات الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وفي المقابل، تُعتبر القضية الفلسطينية والارتباط بـ "وحدة الساحات" بالنسبة لطهران ورقة قوة استراتيجية وغطاءً سياسياً، يمنحها القدرة على ربط استقرار الإقليم بوقف العدوان والمناورة في أوقات التأزم.
إن ما يجري اليوم في أروقة التفاوض الخلفية وعبر جبهات المواجهة ليس مجرد جولة جديدة من التدافع، بل هو صراع إرادات لفرض هندسة إقليمية جديدة. يحاول التحالف الأمريكي-الإسرائيلي حسم ملفات المنطقة رزمة واحدة بشروطه الخاصة، بينما تراهن طهران على تعطيل هذا المسار عبر إبقاء أوراق القوة مشتعلة. وبين هذا وذاك، تظل فلسطين هي البوصلة والشرارة؛ فإما سلامٌ عادل يُنصف أهل الأرض ويُنهي ركائز الاحتلال، أو استمرارٌ لـ "لعبة كسر العظام" التي لن تسلم من شظاياها عواصم المنطقة ولا مصالح القوى الكبرى.
"لا أحد حر حتى يتحرر"
"حرر نفسك"
"حرر عقلك"
------------------------------
بقلم: حاتم نظمي







